الخميس، 1 سبتمبر، 2011

القطار


كان يؤمن طيلة حياته أن الأقدار ترتب تفاصيل حياتنا بدقة متناهية وأن كل ما نقابله في حياتنا أقدار مكتوبة علينا - فهي قدرة الله القادر المقتدر.

ظل يتابع وجوه الناس من حوله في هدوء وترقب، الجالسين منهم والواقفين والسائرين، القارئين منهم والشاردين والمتحدثين فقد كان يؤمن أن النظر في وجوه الناس وسيلة من وسائل معرفة ما تفعله بنا الأقدار.

أُعلن عن وصول القطار الذي ينتظره – جلس بجوار النافذة ينظر إلي الصاعدين والهابطين ثم أخرج من معطفه كتاب ما وبدأ في ممارسة الهروب من الواقع بالغرق في القراءة.

تحرك القطار في بطء ثم تسارعت خبطات عجلاته علي القضبان الحديدية وهو مستغرق في القراءة بعيدا عن كل ما يدور من حوله، وعندما إعتدل في جلسته ونظر إلي الجالس بجانبه قالت له مازلت كما أنت تستطيع الهروب من واقعك في أي مكان وفي أي وقت – نظر إليها طويلا ثم قال لها وأنتِ أيضا مازالتِ كما أنتِ تستطيعي أن تفاجئيني دائما في أي مكان وفي أي وقت.

قالت له ألم تمل بعد؟ – الجميع يتغير وأنت كما أنت لا تتغير ولا يؤثر فيك ما يدور من حولك ولا تهتم بما لم تحققه أو من يبتعد عنك، أنت لا تستفيد أبدا من أخطاءك أو فشلك دائما ما تهرب من كل شئ إلي داخلك فتجلس وحيدا وتصمت.

إبتسم في هدوء وقال لها ألهذا السبب قررتِ أن تبتعدي عني – قالت له ربما، وربما لأني رأيتك تستسلم وترفع الرايات البيضاء وربما لأني أحسست بأنني لم أحبك وإنما إنبهرت بك يوما وربما لأني تأكدت بأنني معك لن أتقدم وسأظل في مكاني بلا تغيير وربما لأنك شخص بلا طموح فقررت أن لا أنتظر حتى تأتي المحطة القادمة وأنا ثابتة في مكاني، لهذا فأسمح لي فقد جاءت محطتي الان ويجب أن أهبط من القطار وأتركك مع نفسك كعادتك.

نظر إلي الساعة المعلقة علي الحائط أمامه وقرأ ما خطته يداه في هدوء، وقام بتعديل بعض الجمل والكلمات - رشف الرشفة الأخيرة من قدح قهوته البارد وضع قلمه علي أوراقه التي كانت بيضاء منذ قليل - وترك غرفته وانصرف.

هناك 13 تعليقًا:

ياسمين يقول...

نحن نؤمن حق إيمان بقدر الله..ولكن القدر لا يعني ان نقف في مكاننا كما فعل صاحبنا ..نسعي والله هو الموقف ام الوقوف هو الاستسلام بعينه ...دام قلمك المميز

شيرين سامي يقول...

عجيب أمر هذا الإنسان يعرف نقاط قوته و ضعفه لدرجة أنه يستطيع سطرها على الورق و مع ذلك فهو لا يتغير و ربما هذا سر هروبه من الواقع.
القصة رائعه سندباد و لكني لا أتفق مع البطله فمن يحب لا يسعى إلى تغير حبيبه و إن كان فليتغير بالحب و ليس بالبُعد.

تحياتي لك و دمت مبدعاً

elsayed azab يقول...

قصة جميلة .. وإن كنت مختلف مع البطل وتركيبة شخصيته ..

كل سنة وإنت طيب وعيد سعيد إن شاء الله ..

تحياتى

ريــــمــــاس يقول...

مساء الغاردينا سندباد
كل عام وأنت بخير وسعادة
الايمان بـ القدر امر طبيعي ولكن أن تتوقف الحياة عند هذا الحد فهذا الامر الغير طبيعي بطل القصة كان يجيد كتابة الحياة كما يشاء عبر ورق وقلم ولكن هل إستطاع أن يعيش الحياة كما يجب ؟"
؛؛
؛
حرفك رائع ووميز كـ عادتك
لروحك عبق الغاردينيا
كانت هنا
reemaas

خيط الحرير يقول...

بسم الله والصلاة علي رسول الله
كل عام وأنت بخير وأحسن حال..وأعاده الله عليك وعلينا باليمن والخير والبركات.

لما تعاتب نفسك فيها ...يبدو أن كل شيء منها جميل رغم قسوته
تتقبل كل عيوبك من خلالها رغم قسوة اللفظ والفعل والخبر...أرأيت كم الحب جميل ورائع يجعل الناس يغفرون ..يتغيرون..يحاولون من أجل أحباؤهم..
وسؤالي هنا لما ؟
لما لم يتغير البطل لأجلها إن كان يدرك أنها محقه..؟
ولكن السؤال الأهم لما هي لم تصبر عليه إن كانت في حبها محقه؟
أجاب قائلا ربما لأنك لم تحبيني؟
أجابت هي..
ربما لآنني لم أحبك ولكني أنبهرت بك..
أجيب أنا ..
كم أنت واضح مع نفسك وضوح الشمس ولا تميل الي إبداء الأسباب لها كي تقنع نفسك بحبها فتظل عند نقطة الصفر تميل الي الأمل الضائع دون الوصول اليها.
أتمني أن يقف القطار يوما علي رصيف الحياة الي الحياة..
دمت مبدعا أخي..السندباد.
عام سعيد وعمر مديد..

مصطفى سيف يقول...

حتى داخله يهرب من مواجهته
رائعة
تسلم ايدك يا سندباد
دوما مبدع

مصر اليوم يقول...

موضوع جميل اووى شدنى بجد

منيرة سوار يقول...

قصة جميلة.. وجدت في شخصية البطل ضعفا انسانيا مشروعا.. ربما لا اتفق معه ولكني لا استطيع ان اقسو عليه ايضا..
تحياتي اخي الفاضل..

rehab يقول...

رحلت عنه وجلست امامه اخرى وقالت انها ترغب فى البقاء معه لنهاية الرحله نظر لها فى صمت وحدثه قلبه هل تصدقها؟؟؟ هل تصدق هذه المرة ؟؟؟
هم مسرعا وقفذ من القطار قبل ان تأتى المحطة القادمة
دون اى تفكير قفذت معه
البطل استفزنى اراه حزين لخداعه من من احبها ولكنه فضل الرحيل عن من احبته
أعجبني · · إلغاء الاشتراك · ‎25 minutes ago‎

افكار مبعثرة يقول...

ارى فرقا بين اللايمان بالقدر و بين الاستسلام و الهروب و ترك الدنيا تخبط فينا كيفما تشاء
استسلم لاخطائه و لعيوبه و للدنيا و ترك كل شئ يهرب من بين يديه
قصة جميلة جدا وعميقة للغاية
تسلم ايديك و تحياتي

أبو حسام الدين يقول...

لابد وأنه يخفي خلف نظراته فكرا وفلسفة متميزة... ورغم هروبه من الواقع فهو عليم به.

لك التحية أخي الكريم

Ms Venus يقول...

مبدع كعادتك يا سندباد

كما اننى احسد بطل قصتك

على الاقل فى قدرته على الهروب دائما من اى شىء يسبب له الالم او الاتضطراب

سندباد يقول...

اشكر جميع من قاموا بالتعليق علي هذا البوست واعتذر عن عدم المتابعو الرد لظروف الشغل
تحياتي ليكم وجزاكم الله خيرا
شكرا جزيلا